يحلّل الدبلوماسي الأسترالي السابق بوب بوكر مستقبل العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة بعد الحرب بين واشنطن وتل أبيب وإيران، ويرى أن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة أكثر غموضًا مما كان عليه قبل اندلاع الصراع. وقد يشكّل قرار خوض الحرب الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب الرد الإيراني، نقطة تحوّل في توازنات المنطقة.
وينشر موقع ذا كونفرزيشن هذا التحليل الذي يناقش كيف قد تعيد دول الخليج النظر في علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، خاصة بعد أن دفعت ثمنًا أمنيًا مباشرًا نتيجة الحرب رغم ارتباطها بالمظلة الأمنية الأميركية وسعيها سابقًا إلى تهدئة التوتر مع إيران.
معادلة صعبة في العلاقة مع واشنطن
تطرح نهاية الحرب سؤالًا كبيرًا حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج. فلا تشير التطورات إلى احتمال تراجع التوتر بين واشنطن وطهران بدرجة تسمح بتقليص هذا الوجود.
وأكدت الهجمات الإيرانية أهمية امتلاك دول الخليج إمكانية الوصول إلى أنظمة الدفاع الأميركية. فقد أطلقت إيران أكثر من 1700 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الإمارات وحدها، بينما سقطت مئات أخرى في البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية.
وتدفع هذه الهجمات حكومات الخليج إلى التفكير في سبل تعزيز قدراتها الدفاعية وحماية منشآتها الحيوية. كما تحتاج هذه الدول إلى طمأنة الأسواق العالمية بأن صادرات النفط والغاز ستظل مستقرة، وأن طرق الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة ستبقى آمنة.
وفي الوقت نفسه تفرض الاعتبارات السياسية الداخلية قيودًا على الحكومات. فالرأي العام في هذه الدول يكتسب أهمية متزايدة، رغم القيود المفروضة على المعارضة.
ويظهر جيل الشباب في المنطقة، خصوصًا أبناء الجيل الجديد، وعيًا أكبر بالعالم الخارجي واعتزازًا بهويتهم العربية، كما يبدي هذا الجيل قدرًا أكبر من الشك تجاه النفوذ الأميركي مقارنة بالأجيال السابقة. ولذلك يدرك قادة الخليج ضرورة مراعاة هذه التحولات في المزاج الشعبي.
نظرة المجتمعات الخليجية إلى الحرب
لا يُتوقع أن يحظى النظام الإيراني بتعاطف واسع داخل دول الخليج، سواء خرج منتصرًا أو ضعيفًا من الحرب. بل قد تتزايد مشاعر الريبة تجاه الأقليات الشيعية في بعض الدول أو تجاه الأغلبية الشيعية في البحرين.
لكن كثيرًا من سكان الخليج قد يحمّلون الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية اندلاع الحرب وتداعياتها. وقد تصاعدت مشاعر الغضب تجاه واشنطن في العالم العربي بسبب دعمها لإسرائيل خلال الحرب في غزة.
ورغم اتفاقيات أبراهام التي أقامت علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، ما تزال قطاعات واسعة من الشعوب الخليجية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها خصمًا إقليميًا لا شريكًا.
ويضع هذا الواقع قادة الخليج أمام معضلة سياسية واضحة. فمن جهة تعتمد هذه الدول على الولايات المتحدة بوصفها شريكًا أمنيًا رئيسيًا، ومن جهة أخرى يثير هذا التحالف استياءً شعبيًا واسعًا.
التعامل بحذر مع إيران بعد الحرب
اتخذت إيران ودول الخليج خطوات حذرة نحو التقارب قبل اندلاع الحرب. فقد فضّلت السعودية والإمارات المسار الدبلوماسي بعد الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية سعودية وناقلات في الخليج عام 2019.
وإذا استمر النظام الإيراني بعد الحرب فسيتعين على دول الخليج تحديد طريقة التعامل معه. ويتوقع أن يتبنى النظام نهجًا أكثر تشددًا في ظل القيادة الجديدة للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
وسيتطلب هذا الوضع من دول الخليج موازنة دقيقة بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وبين تجنب تصعيد التوتر مع إيران.
وقد تظهر اختلافات بين واشنطن وبعض العواصم الخليجية حول كيفية التعامل مع طهران. فمن المرجح أن تدعو الإمارات وعُمان وقطر إلى الحذر من محاولات عزل إيران بالكامل، وقد تفضّل هذه الدول إعادة فتح قنوات التواصل معها بشكل عملي.
كما يثير احتمال دعم الولايات المتحدة أو إسرائيل حركات معارضة داخل إيران قلق الحكومات العربية، خاصة إذا شمل ذلك جماعات انفصالية مثل بعض الفصائل الكردية. وتخشى هذه الحكومات انتقال النزعات الانفصالية إلى داخل حدودها.
ويثير أيضًا احتمال انهيار النظام الإيراني واندلاع حرب أهلية مخاوف واسعة، إذ قد يسبب ذلك اضطرابًا إقليميًا كبيرًا. وحتى إذا اعتبرت إسرائيل هذا السيناريو نتيجة مقبولة، فإن دول المنطقة قد تنظر إليه باعتباره كارثة استراتيجية.
أسئلة كبرى حول مستقبل المنطقة
تمتلك دول الخليج اليوم نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا أكبر مقارنة بالماضي. فقد استثمرت الإمارات والسعودية والكويت نحو 315 مليار دولار في سندات الخزانة الأميركية، وهو ما يمنحها قدرًا من التأثير في الاقتصاد الأميركي.
وقد يخلق أي توجه نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية تحديات واضحة للاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.
لكن يلاحظ غياب خطة أميركية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، سواء في حال استمرار النظام الإيراني أو في حال انهياره.
كما تخشى دول الخليج من قرارات مفاجئة قد تتخذها الإدارة الأميركية في المستقبل، وهو ما يعيد إلى الواجهة المخاوف من احتمال تخلي واشنطن عن حلفائها في لحظات الأزمات.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، قد يصعب على الولايات المتحدة تشكيل النظام الإقليمي الجديد بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها العرب في الوقت نفسه، خاصة مع تزايد مشاعر عدم الثقة تجاهها في العالم العربي.
https://theconversation.com/after-the-iran-war-persian-gulf-nations-face-tough-decisions-on-the-us-a-former-diplomat-explains-277968

